أحمد الله العلي القدير ، وأثني عليه ثناءً منقطع
النظير، يفوق كل وصف وتصوير، وأصلي وأسلم
على خير الأنام ورسول السلام الذي بلغ العلا
بكماله ، وكشف الدجي بجماله وحسنت جميع خصاله،
صلوا عليه وآله
أما بعد
إن أخطر ما يواجه المسلم في هذا الزمان هو كثرة
الفتن ، ولم يُعرف في تاريخ المسلمين زمان كان
أكثر فتنًا من هذا الزمان الذي نعيشه ، ونظرًا
لخطورة هذا الأمر، فإني أحاول في هذه السطور أن
أبين لإخواني المسلمين خطورة الفتن ، وكثرة الفتن
وتنوعها ، وكيف كان سلفنا الصالح يواجهون الفتن
ويثبتون على الحق ، والعوامل التي تعيننا على
الثبات في الفتن .
أولاً : خطورة الفتن .
إن خطورة الفتن تكمن في أنها تؤثر في القلب ، وهذا
مصداق حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي
رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان ـ رضي الله
عنه ـ : " تعرض الفتن على القلب كعرض الحصير عودًا
عودًا فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء ، وأي
قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء ، حتى تعود إلى
قلبين : قلبٍ أسود مربادٍ كالكوز
مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما
أشرب من هواه ، وقلب أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة
ما دامت السماوات والأرض " .
وإنما سمي القلب قلبًا لشدة تقلبه ولذلك كان النبي
ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسأل الله عز وجل أن يثبت
قلبه فقد روى الإمام أحمد وله شاهد في صحيح مسلم
أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يقول : " يا
مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " .
وهذا القلب هو الذي عليه صلاح البدن كله ، كما في
الصحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : "
... ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله
وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب "
وهذا القلب لن ينفع صاحبه إلا إذا سلم من الفتن
كما قال تعالى : " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا
من أتى الله بقلب سليم " [ الكهف 88 ـ 89 ] .
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ : " لا يسلم
القلب حتى يسلم من شرك يناقض التوحيد ومن بدعة
تناقض السنة ومن غفلة تناقض الذكر ومن هوى يناقض
الإخلاص " اهـ
** ذهب رجل إلى
سفيان الثوري فقال له : " لقد ابتليت بمرض في قلبي
فصف لي دواء فقال له : " عليك بعروق الإخلاص وورق
الصبر وعصير التواضع ، ضع هذا كله في إناء التقوى
، وصب عليه ماء الخشية ، وأوقد عليه نار الحزن على
المعصية ، وصفه بمصفاة المراقبة ، وتناوله بكف
الصدق ، واشربه من كأس الاستغفار ، وتمضمض بالورع
، وابتعد عن الحرص والطمع تشفى من مرضك بإذن الله
"
ثانيًا : كثرة الفتن وتنوعها .
لقد أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن كثرة
الفتن وتلاحق بعضها ببعض فقد روى أحمد وأبو داود
والحاكم وصححه الألباني ـ رحمه الله ـ أن رسول
الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : " إن بين يدي
الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها
مؤمنًا ويمسي كافرًا ، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا
، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير
من الماشي والماشي فيها خير من الساعي .... "
والفتن كثيرة جدًا ومن هذه الفتن :
** فتنة النساء .
وهي أخطر الفتن
قال تعالى : " زين للناس حب الشهوات من النساء
والبنين ...... " [ آل عمران 14 ]
روى مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : "
إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها لينظر
كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول
فتنة بني إسرائيل كانت في النساء "
وفي الصحيحين قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما
تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء "
ولما علم
أعداؤنا أن المرأة أخطر وسيلة يستطيعون من خلالها
إفساد المسلمين فاستخدموا هذا السلاح الخطير في
تنفيذ مخططاتهم ، فسلطوا الأضواء على المرأة
وجردوها من ملابسها بعد أن جردوها من حيائها
ففتنوا شباب المسلمين ، لذلك قال أحد أئمة الكفر :
" كأس وغانية تفعلان في الأمة المحمدية أكثر مما
يفعله ألف مدفع "
** فتنة المال
.
وهي فتنة خطيرة عصفت بقلوب كثير من الناس ، فضيعوا
آخرتهم بسبب ذلك ، وقد حذرنا ربنا جل وعلا من فتنة
المال فقال تعالى : " إنما أموالكم وأولادكم فتنة
" [ التغابن 15 ] . وقال سبحانه : " يا أيها الذين
آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله
ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون " [المنافقون 9 ]
وروى بعض أصحاب السنن بسند صحيح أن النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ قال : " لا تزول قدما عبد حتى
يسأل يوم القيامة عن أربع : عن عمره فيما أفناه
وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه
وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه " وكثير
من الناس كل همهم جمع المال ولا يهمهم هل جمعوه من
حلال أم من حرام ويؤكد ذلك ما رواه البخاري أن
النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال : " ليأتين على
الناس زمان لا يبالي الرجل بم أخذ ماله أمن حال أم
من حرام " . فانتشرت الرشوة ، وكثر الغش ،
وأكل الربا ، والظلم ...
** فتنة المناصب .
لقد فتن كثير من أصحاب القلوب المريضة بفتنة
المناصب ، والمنصب إما أن يكون في أصله عملاً
مباحًا ، لكنه يغير أخلاق صاحبه فيتكبر على
الخلق ، وقد يظلم العباد ، وإما ألا يكون عملاً
مباحًا كأن يباشر الحكم بغير ما أنزل الله ، أو
يسن القوانين التي تخالف شرع الله فعرض نفسه
للهلاك والعياذ بالله من أجل كرسي زائل أو منصب
فانٍ
ثم إن المنصب ـ إذا كان مباحًا ـ أمانة سوف يسأل
عنها يوم القيامة ، ومع ذلك تولاها من ليس لها
بأهل . وصدق حبيبنا المصطفى حينما قال فيما
رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني ـ رحمه الله ـ
: " سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها
الكاذب ، ويكذب فيها الصادق ، ويؤتمن فيها الخائن
، ويخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة قالوا
: وما الرويبضة ؟ قال : الرجل التافه يتكلم في أمر
العامة " .
** فتنة الابتلاءات والمصائب .
وهي تمحيص للمؤمن ليتبين الصادق من الكاذب . قال
تعالى : " ... أحسب الناس أن يقولوا آمنا وهم لا
يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله
الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " [ العنكبوت 1 ] .
وقال عز وجل : " ومن الناس من يقول آمنا بالله
فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ...
" [ العنكبوت 10]
روى أحمد والترمذي بسند صحيح عن مصعب بن سعد عن
أبيه قلت : يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال
: الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على
حسب دينه فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه ، وإن
كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه ، فما يبرح
البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه
خطيئة "
** فتنة التحزبات والانقسامات .
وهذه الفتنة
أصبحت على أشدها في زماننا هذا لكثرة الجماعات
والفرق العاملة على الساحة ، وكل جماعة تدعي أنها
هي التي على الحق ، وأن غيرها على باطل وضلال ،
وأصبح كل فرد ينضم إلى جماعة من هذه الجماعات
يوالي من والاها ويعادي من عاداها ، وتمزقت الأمة
وتشتت شملها ، والله سبحانه يقول : " واعتصموا
بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا ... " [ آل عمران 103
]
وروى بعض أهل السنن وصححه الألباني أن النبي ـ
صلى الله عليه وسلم قال : " افترقت اليهود على
إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين
وسبعين فرقة ، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة
كلها في النار إلا واحدة ، قالوا : ومن هي يا رسول
الله ؟ قال : ما أنا عليه اليوم وأصحابي "
** فتنة طلبة العلم .
وتتمثل هذه
الفتنة في الإعجاب بالنفس ـ نعوذ بالله من ذلك ـ
لما حصلوه من العلم ، واحتقار الآخرين والنظر
إليهم على أنهم جهلة وسفهاء لا وزن لهم ولا قيمة
لهم .
** فتنة شبهات العلمانيين .
إن هؤلاء العلمانيين يشككون في ثوابت الدين ،
ويتطاولون على ذات الله ، وعلى شخص رسول الله ،
وعلى كتاب الله ، وعلى صحابة رسول ـ صلى الله عليه
وسلم ـ ، وعلى أمهات المؤمنين الطاهرات ، ليل نهار
في كل وسائل الإعلام ، ويلقون شبهاتهم في قلوب
هؤلاء الذين يستمدون ثقافتهم من هذا الإعلام
الفاسد ، مما جعلهم ينقمون على الدعاة المخلصين
الذين يبصرون الناس بأمر دينهم ، ويتهمونهم
بالتشدد والتطرف ، وبأنهم يأتون بدين جديد ، فإنا
لله وإنا إليه راجعون .
ثالثًا : أمثلة مضيئة للثبات على
الحق عند الفتن .
** أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه
ـ يضرب لنا أروع المثل في الثبات في الفتن .
ففي موت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصاب
المسلمون بصدمة شديدة ، حتى إن الفاروق عمر ـ رض
الله عنه ـ يصاب بذهول ويقول : " من قال إن رسول
الله قد مات لأضربن عنقه بسيفي هذا ، وإنما ذهب
للقاء ربه كما ذهب موسى للقاء ربه وسيعود ، فقام
الصديق ـ رضي الله عنه ـ وقال : " أيها الناس من
كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ومن كان يعبد
الله فإن الله حي لا يموت " .
* ولما
نام ـ رضي الله عنه ـ على فراش الموت ، دخلت عليه
ابنته عائشة ـ رضي الله عنها ـ وهي تبكي وتقول :
لعمرك ما يغني
الثراء عن الفتى
إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر
فقال لها : لا
يا بنيتي لا تقولي هذا ، ولكن قولي : " وجاءت سكرة
الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد "
** عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ
لما طعن وهو يصلي الصبح بالمسلمين ، والجرح غائر ،
والألم شديد ، ويحمل إلى بيته ، ويدخل عليه ابن
عباس ـ رضي الله عنهما ـ ويقول له : " أبشر يا
أمير المؤمنين لقد صحبت رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ وأحسنت صحبته ، وتوفي عنك رسول الله
وهو عنك راضٍ ، وصحبت أبا بكر فأحسنت صحبته ،
وتوفي وهو عنك راضٍ وصحبت أصحاب رسول الله وهم ـ
إن شاء الله ـ عنك راضون ـ ثم شهادة في سبيل الله
أبشر ببشرى الله عليك يا أمير المؤمنين ، ثم بكى
عمر وقال : والله لو أن لي ملء الأرض ذهبًا
لافتديت به من عذاب الله قبل أن ألقاه ... ثم يدخل
عليه شاب ـ وهو في آخر عهده بالدنيا ـ وهو يطيل
ثوبه ، فيقول له : " يا ابن أخي ارفع ثوبك فإنه
أنقى لثوبك وأتقى لربك " إنه يأمر بالمعروف وينهى
عن المنكر وهو في سكرات الموت فأي ثبات هذا ؟!
** عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ
لما أحاط الثوار ببيته ـ رأى في منامه النبي ـ صلى
الله عليه وسلم ـ ينادي عليه ويقول له : أفطر
عندنا غدًا يا عثمان ، فعلم أنه مقتول ، فأصبح وقد
تطهر وأمسك بالمصحف وظل يقرأ القرآن حتى دخل عليه
الثوار وقتلوه فاختلطت دماؤه الطاهرة بكلام الله
تعالى .
** موقف السحرة من فرعون . لما
تبين لهم صدق موسى ـ عليه السلام ـ وأنه لم يأت
بالسحر آمنوا ، فتوعدهم فرعون بأن يقطع أيديهم من
خلاف ويصلبنهم في جذوع النخل ، لم يهمهم ذلك ،
وثبتوا على تعذيب فرعون لهم .
** ثبات امرأة فرعون . لما
آمنت بالله توعدها فرعون بالتعذيب ، فلما أمر
جنوده أن يعذبوها ، كانت تضحك ، فقال فرعون انظروا
إلى هذه المرأة المجنونة نعذبها وهي تضحك ، إنها
استعذبت ذلك في سبيل الله ، لأنها وثقت
بموعود الله وهي تقول: " رب ابن لي عندك بيتًا في
الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم
الظالمين "
** ثبات ماشطة بنت فرعون . حيث
كانت تمشط رأس بنت فرعون يومًا فسقط المشط من يدها
، فقالت : باسم الله وهي تتناول المشط فقالت لها
بنت فرعون : أبي ؟ قالت : ربي وربك ورب أبيك هو
الله عز وجل ، فقالت لها أقول له إذن ، فأخبرته
فجاء فرعون وظل يعذبها لترجع عن دينها ، وأحرق
أولادها أمام عينيها واحدًا بعد الآخر حتى كان
آخرهم صبي رضيع فقال : يا أماه اصبري فإنك على
الحق فثبتت حتى الموت .
**ثبات أصحاب الأخدود . حيث حفرت
لهم الأخاديد وأشعلت فيها النيران ، ويقال للواحد
منهم : ارجع عن دينك فيأبى فيلقى في النار .
** موقف الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ
من تعذيب كفار قريش لهم ، فقد ثبتوا ثباتًا عجيبًا
، وتحملوا الأذى في سبيل الله .
** ثبات الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ
في محنة خلق القرآن ـ حيث طلبوا منه أن يقول أن
القرآن مخلوق ، فرفض فأدخل السجن وعذب تعذيبًا
شديدًا لكنه ثبت ثبات الجبال فكان ناصرًا للحق .
** ثبات الآلاف من المسلمين على
التعذيب في سجون اليهود وفي سجون العراق على أيدي
الكفرة من الأمريكان والشيعة ، وفي كل مكان يعذب
فيه الموحدون على وجه الأرض .
رابعًا : أمور تعيننا على الثبات
في الفتن .
[1] صدق اللجوء
إلى الله عند الفتن ، فالله سبحانه هو الذي يثبت
عباده في الفتن ، كما قال سبحانه : " يثبت الله
الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي
الآخرة ..." [ إبراهيم 27 ]
[2] تخصيص وقت
لطلب العلم
[3] العمل
بالعلم ، قال تعالى : " ولو أنهم فعلوا ما يوعظون
به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا " [النساء 66 ]
[4] صحبة
الأخيار الأطهار من الناس ، فإنهم يكونون عونًا له
ويشدون من أزره عند الفتن .
[5] فهم السنن
الربانية . فلله ـ عز وجل ـ سنن لا تحابي أحدًا ،
فإذا فهم العبد هذه السنن لا يشك في دينه ويثبت
عليه مهما تعرض للفتن .
[6] ذكر الجنة
والنار ، فإذا تذكر الجنة والنار هان عليه التعذيب
في سبيل الله .
[7] سلوك سبيل
السلف الصالح ، والسير على نهجهم .
[8] معرفة سبيل
المجرمين حتى لا يقع فيه فيفتن .
[9] الدعوة إلى
الله والمداومة عليها
[10] الدعاء ،
في صحيح مسلم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "
تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن " .
[11] ملازمة
العلماء والاتصال بهم وقت الفتن .
هذا ، ونسأل
الله سبحانه أن ينجينا من الفتن ما ظهر منها وما
بطن ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ،
وصلى الله وسلم على محمدٍ وآله .